يوسف المرعشلي

225

نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر

وثلاثمائة وألف ، ودفن بعوينت الشمع خارج باب الفتوح . إدريس الشريف « * » ( 1284 - 1354 ه ) إدريس بن محفوظ ابن الحاج أحمد الشريف البكري ، الفقيه ، الشاعر ، نزحت عائلته من بلدة دلّس بالجزائر فرارا من الاحتلال الفرنسي ، وذلك سنة 1226 / 1846 ، واستوطنت ببنزرت . ولد بحومة المنزه ببنزرت ، وبعد سنة توفي والده فكفله جده الحاج أحمد ، ثم عمه الفقيه الحاج محمد الشريف . حفظ القرآن ببلده ثم التحق بجامع الزيتونة ، وجوّد القرآن بقراءة نافع عن الشيخ المقرئ محمد البشير التواتي ، وقضى سنوات في التعلم على أعلام منهم : سالم بوحاجب ، والعربي الميزوني ، وعمر بن الشيخ ، وحسين بن حسين ، ومحمد النجار ، ومحمد الطيب النيفر ، ومحمد السماتي ، ومحمد بيرم القاضي الحنفي ، ومحمد جعيط ، ومحمد الصادق الشاهد ، ومحمد المكي ابن عزوز ، ومحمد بن محمود . وبعد إحرازه على شهادة التطويع سنة 1313 / 1895 بقي سبع سنوات يدرّس متطوعا في جامع الزيتونة ، ويقضي بقية أوقاته مصححا بالمطبعة الرسمية ، ثم رجع إلى بلده بنزرت في سنة 1321 / 1904 ، ولم يباشر خطة العدالة الممنوحة له ضمن أمر التطويع حيث كان في كفاف من العيش ، ولذا فضّل أن ينفع بدروسه ، وانكبّ على الدراسة والتأليف إلى أن صدر له أمر التدريس سنة 1910 ، فصار يقرئ نهارا التلامذة بالجامع الكبير ، وليلا عامة الناس بمسجد ابن عبد الرحمن ، وبدروسه استفاد خيرة شباب بنزرت ، وقد كان الإقبال عليها يزداد من يوم لآخر ، وذلك بوصية من زعيم بنزرت الحبيب بوقطفة ( 1900 - 1934 ) ، قال الأستاذ رشيد الذوادي : « ومما يذكر عنه إنه كان يلقن الدروس ، ويتوجه بنصائحه إلى المواطنين حتى في الطريق العام » . وفي هذا الطور كان مقبلا بشغف على مطالعة مجلة « الفتح » لصاحبها الكاتب الإسلامي محب الدين الخطيب ، وجعلها مرجعا لدروسه . وتقلّد بعد التدريس إمامة الصلوات الخمس بالجامع الكبير سنة 1921 ، ثم تولى خطة الإفتاء سنة 1923 إلى أن توفي . وكانت له مواقف سياسية وقفها في مناسبات عديدة كونت له شهرة واسعة وذكرا جميلا ، ومن أشهرها وأعظمها فتواه في عام 1932 في كفر المتجنّس وإنه تبعا لذلك لا يدفن في مقابر المسلمين ، وسبب هذه الفتوى أن متجنسا توفي ببنزرت أرادت السلطة دفنه في مقابر المسلمين ، فامتنع السكان وقاموا بمظاهرة ، وتراجعت السلطة الاستعمارية ، ودفن هذا المتجنس بمقبرة مسيحية مهجورة . قال الأستاذ الذوادي : « وقد سجّل فيها ( أي الحادثة ) المرحوم محمد الحبيب بوقطفة دورا هاما ، إذ بالإضافة إلى مقالاته الحماسية الرائعة حول هذا الموضوع في الصحافة التونسية ، أراد أن يفنّد ما تسعى إليه السلطة الحاكمة آنذاك من إرادة وسعي لمحو آثار الإسلام وطمس معالمه ، فتقدم بسؤاله التالي إلى الشيخ إدريس مفتي بنزرت ، وطلب منه إيضاح الحق وإنارة العقول ، والتصدّي لمن باعوا ضمائرهم وأرادوا تضليل هذا الشعب العربي المسلم » . وقد كانت السلطة الاستعمارية جاهدة في نشر التجنيس بين المسلمين وإمعانا في سياسة المسخ والذوبان ، حتى تنام ملء جفونها لا تخشى المطالبة بالحقوق أو الاحتجاج أو قيام

--> ( * ) « أعلام من بنزرت » الرشيد الذوادي ( تونس 1971 ) ، ص 51 - 75 ، ترجمة بقلم حسن قارة ببيان المدرس بالفرع الزيتوني ببنزرت في مقدمة « تحرير البيان في الرفق بالحيوان » . وينظر كتاب « التهاني والفتاوى في ما صح لدى العلماء من أمر الشيخ العلاوي » جمع محمد بن محمد بن عبد الباري الحسني التونسي ( من أهل الساحل ) المطبعة التونسية ، تونس 1343 / 1924 ، ص 26 / 28 ، حيث نشر له رسالة في تأييد الشيخ أحمد بن مصطفى العلاوي المستغانمي الجزائري شيخ الطريقة العلاوية المتفرعة عن الطريقة الدرقاوية الشاذلية ، و « تراجم المؤلفين التونسيين » لمحمد محفوظ : 3 / 181 - 187 .